الشيخ محمد الخضري بك

193

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

في ثلاثمائة رجل من سراة « 1 » المهاجرين ، ثم أمده بأبي عبيدة بن الجراح في مائتي من المهاجرين فيهم أبو بكر وعمر ، فلحقوا عمرا قبل أن يصل إلى القوم ، وقد أراد رجال من الجيش إيقاد نار فمنعهم عمرو ، فأنكر عليه عمر بن الخطاب ، فقال أبو بكر : إنما بعثه رسول اللّه علينا رئيسا لمعرفته بالحرب أكثر منا فلا تعصه ، فامتثل ، ولما حلوا بساحة القوم حملوا عليهم فلم يكن أكثر من ساعة حتى تفرّق الأعداء منهزمين ، فجمعوا غنائمهم وأرادوا اتباع أثرهم فمنعهم قائدهم ، ثم رجعوا إلى المدينة ظافرين ، وبينما هم في الطريق أدركت عمرو بن العاص جنابة في ليلة باردة فلمّا أصبح قال : إن أنا اغتسلت هلكت واللّه يقول وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ « 2 » ثم تيمم وصلّى ، ثم أمر بالسير حتى إذا وصلوا إلى المدينة قام رسول اللّه عليه الصلاة والسلام يسأل عن أنباء سفرهم كما هي عادته ، فأخبروه بما نقموه من عمرو بن العاص من نهيهم عن إيقاد النار ونهيهم عن اتّباع العدو وصلاته جنبا ، فسأله عليه الصلاة والسلام عن ذلك فقال : منعتهم من إيقاد النار لئلا يرى العدو قلتهم فيطمع فيهم ، ونهيتهم عن اتّباع العدو لئلا يكون له كمين ، وصليت جنبا لأن اللّه يقول : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وإن أنا اغتسلت هلكت ، فتبسم عليه الصلاة والسلام وأثنى على عمرو خيرا . سرية « 3 » وفي رجب أرسل عليه الصلاة والسلام أبا عبيدة عامر بن الجرّاح في ثلاثمائة فارس لغزو قبيلة جهينه التي تسكن ساحل البحر « 4 » ، وزوّد عليه الصلاة والسلام هذا الجيش جرابا من التمر ، فساروا حتى إذا وصلوا الساحل أقاموا فيه نحو نصف شهر ينتظرون العدو ، وقد فني زادهم حتى أكلوا الخبط - وهو ورق السّمر يبلونه بالماء ويأكلونه إلى أن تقرّحت أشداقهم « 5 » ، وكان في القوم الكريم ابن

--> ( 1 ) جمع سرى وهو النفيس الشريف ، ضبطها ابن الأثير في النهاية ، والجمع سراة بالفتح على غير قياس ، وقد تضم السين ، وضبطها صاحب القاموس بفتح السين سميت باسم ماء بأرض جذام يقال له السلسل . ( 2 ) سورة البقرة اية 195 . ( 3 ) هي سرية الخبط وسماها البخاري غزوة سيف البحر . ( 4 ) كما في البخاري ومسلم . ( 5 ) جمع ومفرده الشدق وهو جانب الفم .